الحارث المحاسبي

181

الرعاية لحقوق الله

باب ما يهيج على معرفة كراهية الموت وكربه وأما ما يهيج على معرفة كراهيته وكربه ، وما يتغشاه من هوله : فإن ابن آدم إنما يألم من كل موضع من جسده ، إن أصابته شوكة فما فوقها وجد الألم بروحه ، ولولا ذلك ما وجد ألما ، ألا تراه إذا خرج الروح منه ، لو حرق بالنار ما وجد لذلك ألما ؟ فإذا كان البدن إنما يألم بالروح ، فما ظنّك بالروح إذا كان هو المجذوب من كل عرق ومفصل ، وأصل كل شعرة وبشرة ، من أعلاه وأسفله وجميع بدنه . فلا تسأل عن ألمه وكربه ووجعه ، وقد يروى أن الموت أشدّ من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ، لأن ضرب السيوف ونشر المناشير إنما يؤلم البدن بالروح ، فإذا كان الروح هو المباشر بالأخذ والجذب ، فذلك أشدّ ألما ووجعا ، وإنما صار المضروب بالسيف وغيره يستغيث ويصيح ، لأن القوي بعد فيه باقية واللسان مطلق وإنما انقطع صوت الميّت لأن الكرب قد تبالغ فيه وتصاعد ، وغلب على كل موضع ، فهدّ كلّ قوة وكسر كل جارحة ، وتغشى العقل وقلّص اللسان وأبكمه ، فإن فضلت فيه فضلة قوة ، سمعت له خوارا لجذب روحه وأنينا وغرغرة بروحه في حلقه ، قد تغيّر لذلك لونه ، حتى ظهر منه أصل طبعه الذي منه خلق وعليه طبع ، فرأيت كالتراب على وجهه ، قد تغيّر لذلك لونه وجذب كل عرق منه على حياله ، حتى ترتفع الحدقتان إلى أعالي الجفون ، وتقلّص اللسان إلى أصله ، وجفت الشفتان